الخميس، 20 فبراير 2014

بين انقاض العشش والحرب على الإرهاب .. ثورة

في وطني يأتينا الموت حيث كنا، كوكتيل من النهايات المؤلمة، حتى وان كنت تبحث عن المتعة ستجد الموت يحاصرك، اذهب لتشاهد مباراة كرم قدم لتموت ذبحا، أو سافر لزيارة بيت الله الحرام لتموت غرقا، اذهب إلى صعيد مصر لتتناثر أشلائك بين حطام قطار، أو تنزه فوق جبال سانت كاترين كي تتجمد أحشاؤك دون مغيث، يا الله ماذا فعل هذا الشعب الغلبان كي ينال مثل هذا العقاب؟ فالليل لا يمر إلا وقد حلت بنا الكوارث، أهذا عقاب لأن الشعب غلبان وساكت على الظلم، أم أنه ابتلاء وإنذار الصحوة كي يفيق ليصرخ بصوت الثورة؟
آهات مكبوتة وصرخات تختبئ خلف تجاعيد القهر والجوع والمرض والتشرد كانت مرسومة اليوم على وجوه أهالي عزبة النخل، هذا ما رأيته اليوم حين قررت الذهاب لأعرف مصير الساكنين تحت الكوبري المنهار، كانت عربات الأمن المركزي والقوات الخاصة تحاصر المكان، هذا المشهد يذكرني بالميدان وما يحدث فيه من اشتباكات، بدا لي كلما اقتربت أني سأسمع صوت الثوار يهتفون "الشعب يريد إسقاط النظام" وكأن ثورة قد قامت في هذا الحي الذي تحاصره غربان النظام لوأدها قبل أن تولد كما فعلوا بنا بالسابق، خبأت الكاميرا الخاصة بي، وعبرت الحواجز الأمنية بقلق وفضول، وعن بعد رأيت الأهالي في تجمعات يجلسون على التراب دون مأوى، وما لبثت حين أصبحت وسط تلك التجمعات أن أظهرت الكاميرا، واقتربت من احدهم وسألته عما حدث، فإذا بهم يهرولون صوب الكاميرا وكأنها طوق النجاة، وكأنها هي المأوى الذي سينقذهم من بطش النظام، الذي ارسل قواته الأمنية لمحاربة الشعب، نعم شهدت ليلة الأمس حربا بين الشعب والنظام الذي استخدم قواته الأمنية لتشريد المئات من الفقراء وتركهم في العراء دون مأوى.   
روى لنا عم شعبان الذي كان يسكن في عشة بجوار الكوبري منذ خمس سنوات كيف كانت تلك العشة غير آدمية ولا تصلح للعيش ولكنه وغيره من هؤلاء البسطاء راضون بتلك العشة التي تؤويهم من البرد والحر، كانت أحن عليهم من العراء الذي يحاصرهم الآن، بعد أن حاصرتهم قوات الأمن والقوات الخاصة وهددتهم بالأسلحة والذخيرة الحية لمغادرة تلك العشش وإلا سيتم الإخلاء بالقوة، ولما اعترض بعض الأهالي ورفضوا الخروج طالبين مهلة لتدبير أحوالهم أو أن تتولي الحكومة مهمة توفير سكن بديل لهم قامت القوات بإطلاق الرصاص الحي في الهواء وسحلوا النساء والأطفال والرضع والعجائز وضربوا أزواجهم وأبنائهم، كنت استمع إلى شهادات الأهالي وأتساءل لمصلحة من تشرد المئات؟ لمصلحة من تُسحل النساء، وتوضع زوجة المواطن البسيط نور الدين محمد  تحت اللودر لتهديده وإجباره علي مغادرة العشة؟ لمصلحة من يصوب الضابط سلاحه إلى رأس زوج إحداهن كي تخضع وتغادر عشتها وتمضي برضيعها إلي العراء؟ أي عدل يسمح بذلك؟ وما زالت الكاميرا تتجول بين الأهالي المشردين لتروى ولاء الشابة أم الرضيع كيف هدموا العشة المكونة من غرفة وحمام "أنا مش عارفة اعمل لابني رضعة لبن هدوا الأودة على العفش وكل حاجتنا حتى مش إدونا فرصة نلم هدومنا ولما رفضنا نطلع قالولنا انتو ارهابيين وهنتعامل معاكوا بالقوة" لتقاطعها الأخري قائلة " الضابط قالنا غوروا من هنا فستين داهية أنتو إرهابيين .. طب ازاى يا أستاذة هو أي حد بيتكلم يبقى إرهابي؟ هو إحنا قلنا نعم عالدستور ليه؟ قلنا نعم للسيسي ليه؟ مش عشان العدل والبلد حالها يتصلح، طب إحنا مش هنبطل كلام".

عم شعبان
نور الدين .. وضعوا زوجته تحت اللودر وهددوا بقتلها اذا لم يترك عشته

 نعم، الكلام حسب قانون هذا النظام إرهاب وعليه نبذه بالرصاص الحي، وفى مقابل كل كلمة رصاصة، تلك التي يدفع ثمنها الشعب الغلبان دون أن يدرى أنها ستوجه إلى صدره.
ولاء وزوجها وطفليها الرضع مشردين فى فالعراء

التفّ حول الكاميرا أكثر من عشر سيدات يتحدثن في وقت واحد، وحين حاولت التصوير معهن فرادي قالت لي سيدة عجوز "امبارح مسكوا واحد كان بيصور الضرب (الحرب) من فوق الكوبري والله اعلم عملوا فيه إيه، وإحنا عاوزين صوتنا يوصل، وصلي صوتنا يا بنتى لو قدرتي تطلعي سليمة من هنا بالكاميرا وصلي صوتنا، إحنا مش لاقيين حد يسمعنا". 
حسبى الله ونعم الوكيل
 
الحاجة اوسام : والله ما عندى بيت يلمنى انا وعيالى غير العشة دى
 
الحاجة اوسام كان توصينى بتوصيل صوتها لكم

ثم وجدت إحداهن تحدثني بهدوء وانكسار "يا بنتى أنا إنطردت من العشة بتاعتي وأنا عندي ولدين ذوى احتياجات خاصة، بس هما قاعدين بعيد مش هقدر أجيبهملك هنا تسجلي معاهم، والنبي تيجي معايا"
سيدة صديق ام لطفلين من ذوى الاحتياجات الخاصة .. وتم تشريدها فى العراء
  سيدة صدّيق أم لولدين من ذوى الاحتياجات الخاص، اقتحمت قوات الأمن عشتها وأمروها بسرعة الخروج هي وولديها تقول "لولا الجيران لحقوا الولاد وشالوهم برة العشة كانت اتهدت عليهم،  أنا ست كبيرة مكنتش هقدر اشيلهم الاتنين"، ولم يترك لهم مهلة حتى خلاء متعلقاتهم. ويقول محمد عادل احد ولديها بصوت منكسر" جم هدوا الأودة ، إحنا مش عندنا غيرها، بقالنا خمس سنين عايشين فيها، إحنا عايزين شقة نعيش فيها"ولم تتحدث السيدة سيدة صديق كثيرا، كان ليلها قاسيا، فأصبح نهارها انكسار وضعف وألم لا يمكن وصفه، فعجزت عن الكلام.
ابناء سيدة صديق ينامون فى الشارع منذ ان هد الامن عشتهم

محمود صابر محمد وجدت زوجته حامل تفترش الأرض وبدا لي انهم حديثي الزواج قال لي " أنا كنت راضى بالعشة وعايش سعيد أنا ومراتى وبنحلم بالمولود الجديد وفجأة دخلوا علينا وقالولنا سيبوا العشة دلوقتى عشان هنهدها وهنديكوا شقق تانية، ولما خرجنا روحنا نسأل عن الشقة ملقيناش اسمنا وادينا زى ما انتى شايفة لا طولنا سما ولا ارض"تركت السيدة سيّده لأجد على الجانب الآخر بائعة الجرجير الأرملة أم السبع بنات تقول " أنا لا ليا مرتب ولا معاش، بجري على سبع بنات، جوزي مات وسابلي سبع بنااااااااااااااااااات، عارفة يعنى إيه بنات مش ولاد، لا عندي مرتب ولا ليا معاش، أنا ببيع جرير وخس وباكل عيش وبربى بناتي ، السيسى بيقول هيعملنا معاشات أنا مش عاوزة معاش ولا مرتب بس سيبونى ابيع جرجير واربي البنات، والله يا بنتي انتخبنا السيسى وبقينا نرقص ونزغرط ونطبل فالشارع ونقول تحيا مصر تحيا السيسى ، عملّنا أيه السيسى هد بيوتنا علينا، يرضى مين يا بنتي دى النملة بترمح طول النهار وترجع تنام فالعشة، يعنى الحرامى والقاتل وتاجر المخدرات سايبينه عادى وجايين يهدوا بيوتنا ".
بائعة الجرجير


تلك السيدة البسيطة التي خطت مرارة الزمن تجاعيدها على جبينها لخصت مأساة مصر وشعبها في بضع دقائق، هذا الشعب الذي ظل عشرات السنين فريسة مستكينة بين أسنان الذئاب،يجوع ويمرض ويقهر ويموت، بات الضحية التي سيأتي يوم قريبا لتصبح رأس الحربة، هؤلاء البسطاء الذين استهان بهم حامي الحمى وقاهر الإرهاب وكاسر عين أمريكا وإسرائيل (وفوق كل ده بيهد العشش فوق نافوخ ننى عنيه) ويشردهم ويتركهم في العراء دون مأوى، لأنهم إرهابيين! نعم، هكذا قال الضباط للأهالي "أخرجوا فأنتم إرهابيون وإلا قتلناكم.”لم تكن تلك الروايات السابقة من محض خيالي، بل هي جزء من واقع مر يتجرعه أهالي عشش عزبة النخل الذين لم يجدوا أسمائهم مدرجة في الحصر الذي أعدته الحكومة على نحو لا مثيل له، ولابد أني ظلمت الحكومة على غير العادة، أكيد في حاجة أنا فاهماها غلط على غير العادة أيضا، وسأذهب إلى مؤسسة الزكاة حيث الشقق التي خصصتها الحكومة لمن حصرت أسمائهم.إقترب التوك توك بي من موقع المأساة، قررت النزول بعيدا لأصل سيرا على الأقدام، فعلا المساكن حديثة البناء، جيد ، في أمل، وخطوة تلو الأخري، إذا باليمين السادة البشوات مديرين ورؤساء لحجات كتير ملهاش أي لازمة بالنسبة لي عالأقل ، جالسون على مقاعد يرتدون نظارات شمسية، ومن يشاهدهم يخيل له انهم يشاهدون ماتش كورة، واذا باليسار عربات مليئة بمتعلقات الأهالي المتشوقين لسماع أسمائهم لاستلام الشقة التي ستؤويهم، من معاناة ليلة أمس، فهم قابعون فى العراء منذ أن هد الأمن العشش فوق رؤوسهم، سألت احدهم لماذا لم يستلم شقته حتى الآن أكد لي أنه منذ الأمس حتى الآن لم يستلم شقته سوى عشر أفراد.
عمارات عائمة فوق بركة مجارى

الكارثة الأكبر أن هذه العمارات غارقة فوق بركة مجاري مما يعرضها للسقوط في أي لحظة، حتى الأطفال عرضة للموت غرقا في تلك البرك ، غير التلوث البيئي والرائحة الكريهة التي يمكن أن تسبب لهم أمراضا كثيرة، وعلى المسجل اسمه في حصر الحكومة دفع مبلغ 1015 جنيه وقسط شهري 75 جنيه كي يتسلم شقته، ومن لا يملك هذا المبلغ لن تخصص له الشقة بل ستمنح لغيره من محاسيب البشوات، مبلغ كهذا يعد كارثة لمثل هؤلاء البسطاء وهم لا يعلمون انهم ذاهبون لمسكن عرضة للسقوط ، فهم لا يدركون انهم ذاهبون إلى موت آخر.
ياتيك الموت حيثما كنت

لم أر اختلافا كثيرا بين حكم السفاح طنطاوي والإرهابي مرسى والسفاح السيسي من حيث إدارة شئون تخريب الوطن، وتدمير معنى الانتماء للوطن عند المصريين وبخاصة عند الشباب، وأيضا من حيث معاناة المصريين بل تزداد المعاناة بتوالي الطغاة على حكم مصر، جوع، فقر، مرض، بطالة، قهر وظلم ، فالمواطن المصري بلا قيمة حين يحيا وحين يموت، لذا لن افقد الأمل، فكما سقط الطاغية في الماضي سيسقط الآتي، هكذا علمتني الثورة.أكتب تلك الكلمات وأنا قابعة على سرير مريح ملتحفة غطاءً ثقيلًا يشعر بدفء يكسر برودة الشتاء، ولكنه لا يُذهب مرارة الحلق، شعور مميت بالذنب، وآخر بالعجز، يا ليت بيدى ثروة تكفى لإغاثة هؤلاء المشردين، ولكن إذا كانت معي تلك الثروة التي تكفي هؤلاء فمن يتكفل ببقية المشردين من الشعب المطحون؟ انهم نور عنين حامى الديار الذي أوهمهم أن مصر أم الدنيا وأنه سيجعلها أد الدنيا، إنه لساحر مبين، ويبدو أنه يقصد انه سيرونها كذلك في الجنة.

إن الحياة في وطن يحكمه الطغاة ليست إلا عذابا بطيئا كما قبل الثورة، أو سريعا كما بعدها، يأتيك حيثما كنت تحت مسمى الحرب على الإرهاب ، أو أي مسمي أو مبرر آخر ، ايه اللى وداهم هناك، أكيد عملوا حاجة غلط عشان كده قتلوهم، معلش مهو لازم يكون في ضحايا وثمن عشان مصر تبقى اد الدنيا، ولا انكر إن الأغلبية من المصريين المطحونين يرددون هذا الكلام ويوهمون انفسهم بتصديقه، إلا أنني أؤمن أن الأغلبية سرعان ما تفيق، لتزيح الغمة والعشاوة التي صنعها حكام مصر على مدار عشرات السنين، ليرون الحق حقا ويثورون ضد الظلم، ولن انسي بائعة الجرجير التي يوما ما رقصت وهللت لحامي الحمي، وما لبث أن تملّك زمام البلد وقد عاث في الأرض فسادا وسفكا للدماء، تلك الليالي التي لا تمر على المصريين إلا وقد دفعوا ثمنها من دمائهم وأرواحهم لن تمر على قاتليهم هباءً، يوما ما سينقلب السحر على الساحر وتُرد إلي الناس مظالمهم بأيديهم لا بيد غيرهم، عساه قريبا بإذن الله.


أسماء الجريدلي

هناك 3 تعليقات:

  1. جهد غير عادي .. جزاك الله عنع كل خير

    ردحذف
  2. كان الله فى عون هؤلاء المساكين الضعفاء ضد دولة الذل والقهر والفقر

    ردحذف