الثلاثاء، 8 يوليو 2014

يومياتي ويا موظف حكومي (1)

من اسبوع كلمني صديق اسمه علاء وقاللي فى تعيينات فى احدي الوزارات المرموقة لانه عارف اني كنت من اوائل الخريجين،   ولسوء حظي ان والدتي سمعت كلامي معاه وفهمت الموضوع .. والدتي من زمان نفسها اني اشتغل فالحكومة نظرا لعوامل الامان المادية من حيث مرتب ثابت وتامين صحي وهتكون متطمنة عليا اني مش هيجي يوم احتاج فى لحد حتي لومريت بأى ازمة صحية او تحت اى ظرف.

المهم ان الحاح والدتي زاد واقترح عليا اني اقبل وممكن اول ما اتعين اقدم علي اجازة بدون مرتب وارجع اشتغل الشغلانة اللى تعجبني وعشان اريح نفسي واريحها وافقت، وكان المطلوب مني اني اجيب افادة من الكلية بترتيبي علي دفعتي ثم التوجه الى جهاز التنظيم والادارة لاستلام جواب التعيين ثم التوجه بجواب التعيين الى الوزارة المرموقة .. يعني حاجة كده زي شكة الدبوس .. الموضوع سهل جدا جدا
انتظرت الى ان يمر اول يوم فرمضان وتوجهت الى كلية الدرسات الانسانية بنات - جامعة الازهر  واذا بس وانا داخلة الكلية الامن بيمنعني من الدخول لاني مش محجبة ..
مسئولة الامن: رايحة فين يا اوستاذة
انا: عاوزة ادخل شئون خريجات
مسئولة الامن: البسي طرحتك طيب
انا: طرحتي !
مسئولة الامن: ممنوع تدخلي من غير حجاب
انا: ازاى يعني هو انا داخلة مسجد فى ايه يا ستي .. طب انا مش معايا حجاب وجاية من آخر الدنيا اعمل ايه يعني ؟
مسئولة الامن: معرفش دى التعليمات عشان متضرينيش انا اوستازة
 انا: طب انا معنديش مانع اخلع القميص ده واحطه علي راسي .. بعد اذنك انا لازم ادخل عشان معنديش وقت ولسه عندي شغل
مسئولة الامن: طب بعد اذنك ادخلي بسرعة عالمكتب بتاع شئون خريجات هناك عاليمين .. بسرعة لاحسن لو العميدة شافتك هتعملي جزا
أنا: شكرا
ودخلت بسرعة وكأني مثلا هربانة لاحسن يمسكوني متلبسة بجريمة ويطبقوا عليا الحد
انا اتصدمت ازاى انا قضيت 4 سنين من عمري وانا مش حاسة بالعنصرية اللى بتمارسها الجامعة، ازاى وفي اكتر من 20 رسالة دكتوراة بتناقش عدم فرضية الحجاب وتم قبولها .. ازاى!

دخلت بسرعة اخلص ورقي .. لقيت الموظفات فى حالة خمول وكسل .. ونص المكاتب فاضية .. اللى نايمة عالمكتب، واللى بتشكي جوعها للتانية ورافضة تنتبه ليا .. رحت شاركتهم فالحوار .. عشان الفت انتباهم ليا .. طبعا نظاراتهم ليا لاني مش محجبة كان ما بين نظرات استغراب و نظرات احتقار .. اللى هو انتي ازاى جيتي هنا بالمنظر ده .

أنا:  لو سمحتي انا عاوزة افادة بترتيبي علي الدفعة ؟
الموظفة: يعني ايه مش فاهمة؟
انا: انا محتاجة افادة بترتيبي عشان اقدمها علي وظيفة
الموظفة: انتي قسم ايه
انا: لغة عبرية وطالعة الاولي علي دفعتي اخر سنة والثالثة تراكمي وانا عاوزة افادة من الكلية بكده
الموظفة: بصي تعالي بعد بكرة اسألي عشان اللى ماسكة القسم بتاعك فاجازة
انا: بس انا مستعجلة جدا محتاجة الورق ده يخلص بالكتير بكرة
الموظفة: طب انا اعملك ايه مقدرش افيدك
انا: ماشي .. شكرا

انا مشيت وانا فرحانة عشان ما الوقت بيضيع كل ما ممكن الوظيفة دى تضيع :)
وقفت فالطرقة اللى قصاد المكتب وكلمت علاء وشرحتله الوضع وانه ممكن اتأخر وكده، لقيت مسئولة الامن جايه تجري عليا وبتقوللي ممنوع يا فندم، لو العميدة شافتك من غير حجاب هتحولنا للتحقيق!
فنفس الوقت لقيت الموظفة جاية تنده عليا وبتقوللي الافادة دى مش بتطلع من عندنا دى ممكن تطلعيها من مكتب شئون الخريجات فادارة الجامعة فجامعة الازهر بنين وعموما ممكن تدخلي لعميدو الكلية وتتأكدى!
انا هدخل للعميدة من غير حجاب .. طيب وماله عالاقل لو علقت عالموضوع ده هواجهها وهعترض
دخلت للعميدة وسلمت عليها بايدى وملاحظتش اي عوامل استغراب او تعليق على الحجاب من عدمه وسألتها عن الافادة دى قالتلي مش عندنا ده فادارة الجامعة.
توجهت لادارة الجامعة (بنين) ونفس اللى حصل مع الامن هناك حصل هنا ونفس الحوار يمكن كان اكثر حدة لانهم دخلوني لرئيس الامن عشان اخد موافقة بالدخول .
وطلعت علي شئون الخريجات لقيت فوشي مكتب كبييييير فوقه صورة كبيرة اوي لسيادة المشير الفريق الرئيس السيسي وحوار دائر بين السيساوية الجالسة عالمكتب واخري بالمكتب المجاور حول مجزرة رابعة وغلاء الاسعار
الاولي: هو رئيس جاي دايس عالدم وبيشرب فالدم بيغلي الاسعار عالغلابة وسايب الاغنياء ينهشوا فيها
التانية: قتلهم عشان شالوا سلاح وهددونا وقتلونا 
الاولي: هما الغلابة بيشيلوا سلاح بردك عشان يقتلهم مالجوع
وانتبهتلي السيساوية .. نعم .. تحت امرك
انا: انا عاوزة افادة بترتيبي عالقسم
هيا: ممنوع يا بنتي روحي للمدام اللى هنا دى واسأليها

انا : صباح الخير ..  انا عاوزة افادة بترتيبي عالقسم
المدام: احنا بعتنا الورق ده للتنظيم والادارة وخلاص كلهم اتعينوا
انا: هو اكيد مش كلهم لانه انا الثالثة تراكمي علي دفعتي
هيا: لا لا احنا بناخد العشرة الاوائل علي مستوي الكلية كلها مش القسم
انا: ازاى كده مفيش عدالة توزيع كليتي اقسامها اكتر من 10 بكتير كده فى أقسام هتتظلم وهتتحرم مالفرصة  دى ده غير انه ازاى تقارني حد بيدرس فقسم وثائق ومكتبات بحد بيدرس لغات وترجمة /لغة عبرية .. فين معيار التوزيع العادل ..
المدام: انتي تقديرك ايه؟
انا: جيد جدا مع مرتبة الشرف - دفعة 2007 .. انا متأكدة انه اسمي اكيد حتي موجود فال20 الاوائل بعد استثناء المعيدات .. طب حتي وريني الكشف اللى بعتوه للجهاز
المدام : دفعة 2007 ! وكنتي فين طول الوقت ده .. وجايه تسألي بعد كل ده ...! ممنوع يا استاذة .. ده قرار من رئيس الجامعة بمنع استخراج الافادة دى بالذات 
انا: ليه ده حقي
المدام : لا طبعا انتي عاوزة يعني لما واحدة تكون مالاوائل ومتلاقيش اسمها تيجي تتخانق معانا
انا: وتتخانق ليه ده حقها
المدام : بصي الموضوع ده بيجيب خناقات كتير ورئيس الجامعة منعه .. روحي دوري علي اسمك فالتنظيم والادارة

انا خرجت مالمكتب بقهر وحسرة .. ده حقي .. ده شقي 4 سنين تعب ومذاكرة واجتهاد وغربة بالشهور فالمدينة الجامعية .. ليه
خرجت ومش فارق معايا الوظيفة بس اللى يفرق اني حقي ضايع وانا تعبت فيه .. مكانش فارق معايا كلمة مبروك لما تفوقت بس كان يفرق معايا اسمي فكشف النتيجة ،
اسماء عبد الرحمن محمد - جيد جدا (مرتبة الشرف) - الاولي _ دفعة 2007










لما ببص علي شهادتي وتقديراتي وبرجع بالساعة لورا .. اد ايه كنت مقبلة عالحياة وكان عندي صبر وارادة .. 
كنت اتحمل افضل فالمدينة الجامعية بالشهر متواصل بدون ما اشوف اهلي .. الناس كانت بتتريق عليا عشان كليتي نظرية .. كانوا بيقولوا لماما اومال لو دخلت الطب ولا الصيدلة هتعمل ايه!
افتكر مشروع التخرج بتاعي ابهر الدكاترة لدرجة ان المشرفة عليه قالتلي وفريه لسمينار ماجيستير
 افتكر زمان ماما كانت تقول : انا مبخافش علي اسماء اد ما بخاف علي اخوها .. لما بتحط حاجة فدماغها لازم تحققها وتوصلها مش محتاجة اني اقولها تعمل ايه ومتعملش ايه .. انما اخوها لعبي ويتخاف عليه.

هيا البلد دى بتعمل فينا كده ليه !

مش هسيب حقي حتي لو اضطريت اني ألجأ للقضاء

بكرة هكمل كتابة الجزء التاني واقولكم اني وصلت لدرجة اني كرهت حقي



الخميس، 20 فبراير 2014

بين انقاض العشش والحرب على الإرهاب .. ثورة

في وطني يأتينا الموت حيث كنا، كوكتيل من النهايات المؤلمة، حتى وان كنت تبحث عن المتعة ستجد الموت يحاصرك، اذهب لتشاهد مباراة كرم قدم لتموت ذبحا، أو سافر لزيارة بيت الله الحرام لتموت غرقا، اذهب إلى صعيد مصر لتتناثر أشلائك بين حطام قطار، أو تنزه فوق جبال سانت كاترين كي تتجمد أحشاؤك دون مغيث، يا الله ماذا فعل هذا الشعب الغلبان كي ينال مثل هذا العقاب؟ فالليل لا يمر إلا وقد حلت بنا الكوارث، أهذا عقاب لأن الشعب غلبان وساكت على الظلم، أم أنه ابتلاء وإنذار الصحوة كي يفيق ليصرخ بصوت الثورة؟
آهات مكبوتة وصرخات تختبئ خلف تجاعيد القهر والجوع والمرض والتشرد كانت مرسومة اليوم على وجوه أهالي عزبة النخل، هذا ما رأيته اليوم حين قررت الذهاب لأعرف مصير الساكنين تحت الكوبري المنهار، كانت عربات الأمن المركزي والقوات الخاصة تحاصر المكان، هذا المشهد يذكرني بالميدان وما يحدث فيه من اشتباكات، بدا لي كلما اقتربت أني سأسمع صوت الثوار يهتفون "الشعب يريد إسقاط النظام" وكأن ثورة قد قامت في هذا الحي الذي تحاصره غربان النظام لوأدها قبل أن تولد كما فعلوا بنا بالسابق، خبأت الكاميرا الخاصة بي، وعبرت الحواجز الأمنية بقلق وفضول، وعن بعد رأيت الأهالي في تجمعات يجلسون على التراب دون مأوى، وما لبثت حين أصبحت وسط تلك التجمعات أن أظهرت الكاميرا، واقتربت من احدهم وسألته عما حدث، فإذا بهم يهرولون صوب الكاميرا وكأنها طوق النجاة، وكأنها هي المأوى الذي سينقذهم من بطش النظام، الذي ارسل قواته الأمنية لمحاربة الشعب، نعم شهدت ليلة الأمس حربا بين الشعب والنظام الذي استخدم قواته الأمنية لتشريد المئات من الفقراء وتركهم في العراء دون مأوى.   
روى لنا عم شعبان الذي كان يسكن في عشة بجوار الكوبري منذ خمس سنوات كيف كانت تلك العشة غير آدمية ولا تصلح للعيش ولكنه وغيره من هؤلاء البسطاء راضون بتلك العشة التي تؤويهم من البرد والحر، كانت أحن عليهم من العراء الذي يحاصرهم الآن، بعد أن حاصرتهم قوات الأمن والقوات الخاصة وهددتهم بالأسلحة والذخيرة الحية لمغادرة تلك العشش وإلا سيتم الإخلاء بالقوة، ولما اعترض بعض الأهالي ورفضوا الخروج طالبين مهلة لتدبير أحوالهم أو أن تتولي الحكومة مهمة توفير سكن بديل لهم قامت القوات بإطلاق الرصاص الحي في الهواء وسحلوا النساء والأطفال والرضع والعجائز وضربوا أزواجهم وأبنائهم، كنت استمع إلى شهادات الأهالي وأتساءل لمصلحة من تشرد المئات؟ لمصلحة من تُسحل النساء، وتوضع زوجة المواطن البسيط نور الدين محمد  تحت اللودر لتهديده وإجباره علي مغادرة العشة؟ لمصلحة من يصوب الضابط سلاحه إلى رأس زوج إحداهن كي تخضع وتغادر عشتها وتمضي برضيعها إلي العراء؟ أي عدل يسمح بذلك؟ وما زالت الكاميرا تتجول بين الأهالي المشردين لتروى ولاء الشابة أم الرضيع كيف هدموا العشة المكونة من غرفة وحمام "أنا مش عارفة اعمل لابني رضعة لبن هدوا الأودة على العفش وكل حاجتنا حتى مش إدونا فرصة نلم هدومنا ولما رفضنا نطلع قالولنا انتو ارهابيين وهنتعامل معاكوا بالقوة" لتقاطعها الأخري قائلة " الضابط قالنا غوروا من هنا فستين داهية أنتو إرهابيين .. طب ازاى يا أستاذة هو أي حد بيتكلم يبقى إرهابي؟ هو إحنا قلنا نعم عالدستور ليه؟ قلنا نعم للسيسي ليه؟ مش عشان العدل والبلد حالها يتصلح، طب إحنا مش هنبطل كلام".

عم شعبان
نور الدين .. وضعوا زوجته تحت اللودر وهددوا بقتلها اذا لم يترك عشته

 نعم، الكلام حسب قانون هذا النظام إرهاب وعليه نبذه بالرصاص الحي، وفى مقابل كل كلمة رصاصة، تلك التي يدفع ثمنها الشعب الغلبان دون أن يدرى أنها ستوجه إلى صدره.
ولاء وزوجها وطفليها الرضع مشردين فى فالعراء

التفّ حول الكاميرا أكثر من عشر سيدات يتحدثن في وقت واحد، وحين حاولت التصوير معهن فرادي قالت لي سيدة عجوز "امبارح مسكوا واحد كان بيصور الضرب (الحرب) من فوق الكوبري والله اعلم عملوا فيه إيه، وإحنا عاوزين صوتنا يوصل، وصلي صوتنا يا بنتى لو قدرتي تطلعي سليمة من هنا بالكاميرا وصلي صوتنا، إحنا مش لاقيين حد يسمعنا". 
حسبى الله ونعم الوكيل
 
الحاجة اوسام : والله ما عندى بيت يلمنى انا وعيالى غير العشة دى
 
الحاجة اوسام كان توصينى بتوصيل صوتها لكم

ثم وجدت إحداهن تحدثني بهدوء وانكسار "يا بنتى أنا إنطردت من العشة بتاعتي وأنا عندي ولدين ذوى احتياجات خاصة، بس هما قاعدين بعيد مش هقدر أجيبهملك هنا تسجلي معاهم، والنبي تيجي معايا"
سيدة صديق ام لطفلين من ذوى الاحتياجات الخاصة .. وتم تشريدها فى العراء
  سيدة صدّيق أم لولدين من ذوى الاحتياجات الخاص، اقتحمت قوات الأمن عشتها وأمروها بسرعة الخروج هي وولديها تقول "لولا الجيران لحقوا الولاد وشالوهم برة العشة كانت اتهدت عليهم،  أنا ست كبيرة مكنتش هقدر اشيلهم الاتنين"، ولم يترك لهم مهلة حتى خلاء متعلقاتهم. ويقول محمد عادل احد ولديها بصوت منكسر" جم هدوا الأودة ، إحنا مش عندنا غيرها، بقالنا خمس سنين عايشين فيها، إحنا عايزين شقة نعيش فيها"ولم تتحدث السيدة سيدة صديق كثيرا، كان ليلها قاسيا، فأصبح نهارها انكسار وضعف وألم لا يمكن وصفه، فعجزت عن الكلام.
ابناء سيدة صديق ينامون فى الشارع منذ ان هد الامن عشتهم

محمود صابر محمد وجدت زوجته حامل تفترش الأرض وبدا لي انهم حديثي الزواج قال لي " أنا كنت راضى بالعشة وعايش سعيد أنا ومراتى وبنحلم بالمولود الجديد وفجأة دخلوا علينا وقالولنا سيبوا العشة دلوقتى عشان هنهدها وهنديكوا شقق تانية، ولما خرجنا روحنا نسأل عن الشقة ملقيناش اسمنا وادينا زى ما انتى شايفة لا طولنا سما ولا ارض"تركت السيدة سيّده لأجد على الجانب الآخر بائعة الجرجير الأرملة أم السبع بنات تقول " أنا لا ليا مرتب ولا معاش، بجري على سبع بنات، جوزي مات وسابلي سبع بنااااااااااااااااااات، عارفة يعنى إيه بنات مش ولاد، لا عندي مرتب ولا ليا معاش، أنا ببيع جرير وخس وباكل عيش وبربى بناتي ، السيسى بيقول هيعملنا معاشات أنا مش عاوزة معاش ولا مرتب بس سيبونى ابيع جرجير واربي البنات، والله يا بنتي انتخبنا السيسى وبقينا نرقص ونزغرط ونطبل فالشارع ونقول تحيا مصر تحيا السيسى ، عملّنا أيه السيسى هد بيوتنا علينا، يرضى مين يا بنتي دى النملة بترمح طول النهار وترجع تنام فالعشة، يعنى الحرامى والقاتل وتاجر المخدرات سايبينه عادى وجايين يهدوا بيوتنا ".
بائعة الجرجير


تلك السيدة البسيطة التي خطت مرارة الزمن تجاعيدها على جبينها لخصت مأساة مصر وشعبها في بضع دقائق، هذا الشعب الذي ظل عشرات السنين فريسة مستكينة بين أسنان الذئاب،يجوع ويمرض ويقهر ويموت، بات الضحية التي سيأتي يوم قريبا لتصبح رأس الحربة، هؤلاء البسطاء الذين استهان بهم حامي الحمى وقاهر الإرهاب وكاسر عين أمريكا وإسرائيل (وفوق كل ده بيهد العشش فوق نافوخ ننى عنيه) ويشردهم ويتركهم في العراء دون مأوى، لأنهم إرهابيين! نعم، هكذا قال الضباط للأهالي "أخرجوا فأنتم إرهابيون وإلا قتلناكم.”لم تكن تلك الروايات السابقة من محض خيالي، بل هي جزء من واقع مر يتجرعه أهالي عشش عزبة النخل الذين لم يجدوا أسمائهم مدرجة في الحصر الذي أعدته الحكومة على نحو لا مثيل له، ولابد أني ظلمت الحكومة على غير العادة، أكيد في حاجة أنا فاهماها غلط على غير العادة أيضا، وسأذهب إلى مؤسسة الزكاة حيث الشقق التي خصصتها الحكومة لمن حصرت أسمائهم.إقترب التوك توك بي من موقع المأساة، قررت النزول بعيدا لأصل سيرا على الأقدام، فعلا المساكن حديثة البناء، جيد ، في أمل، وخطوة تلو الأخري، إذا باليمين السادة البشوات مديرين ورؤساء لحجات كتير ملهاش أي لازمة بالنسبة لي عالأقل ، جالسون على مقاعد يرتدون نظارات شمسية، ومن يشاهدهم يخيل له انهم يشاهدون ماتش كورة، واذا باليسار عربات مليئة بمتعلقات الأهالي المتشوقين لسماع أسمائهم لاستلام الشقة التي ستؤويهم، من معاناة ليلة أمس، فهم قابعون فى العراء منذ أن هد الأمن العشش فوق رؤوسهم، سألت احدهم لماذا لم يستلم شقته حتى الآن أكد لي أنه منذ الأمس حتى الآن لم يستلم شقته سوى عشر أفراد.
عمارات عائمة فوق بركة مجارى

الكارثة الأكبر أن هذه العمارات غارقة فوق بركة مجاري مما يعرضها للسقوط في أي لحظة، حتى الأطفال عرضة للموت غرقا في تلك البرك ، غير التلوث البيئي والرائحة الكريهة التي يمكن أن تسبب لهم أمراضا كثيرة، وعلى المسجل اسمه في حصر الحكومة دفع مبلغ 1015 جنيه وقسط شهري 75 جنيه كي يتسلم شقته، ومن لا يملك هذا المبلغ لن تخصص له الشقة بل ستمنح لغيره من محاسيب البشوات، مبلغ كهذا يعد كارثة لمثل هؤلاء البسطاء وهم لا يعلمون انهم ذاهبون لمسكن عرضة للسقوط ، فهم لا يدركون انهم ذاهبون إلى موت آخر.
ياتيك الموت حيثما كنت

لم أر اختلافا كثيرا بين حكم السفاح طنطاوي والإرهابي مرسى والسفاح السيسي من حيث إدارة شئون تخريب الوطن، وتدمير معنى الانتماء للوطن عند المصريين وبخاصة عند الشباب، وأيضا من حيث معاناة المصريين بل تزداد المعاناة بتوالي الطغاة على حكم مصر، جوع، فقر، مرض، بطالة، قهر وظلم ، فالمواطن المصري بلا قيمة حين يحيا وحين يموت، لذا لن افقد الأمل، فكما سقط الطاغية في الماضي سيسقط الآتي، هكذا علمتني الثورة.أكتب تلك الكلمات وأنا قابعة على سرير مريح ملتحفة غطاءً ثقيلًا يشعر بدفء يكسر برودة الشتاء، ولكنه لا يُذهب مرارة الحلق، شعور مميت بالذنب، وآخر بالعجز، يا ليت بيدى ثروة تكفى لإغاثة هؤلاء المشردين، ولكن إذا كانت معي تلك الثروة التي تكفي هؤلاء فمن يتكفل ببقية المشردين من الشعب المطحون؟ انهم نور عنين حامى الديار الذي أوهمهم أن مصر أم الدنيا وأنه سيجعلها أد الدنيا، إنه لساحر مبين، ويبدو أنه يقصد انه سيرونها كذلك في الجنة.

إن الحياة في وطن يحكمه الطغاة ليست إلا عذابا بطيئا كما قبل الثورة، أو سريعا كما بعدها، يأتيك حيثما كنت تحت مسمى الحرب على الإرهاب ، أو أي مسمي أو مبرر آخر ، ايه اللى وداهم هناك، أكيد عملوا حاجة غلط عشان كده قتلوهم، معلش مهو لازم يكون في ضحايا وثمن عشان مصر تبقى اد الدنيا، ولا انكر إن الأغلبية من المصريين المطحونين يرددون هذا الكلام ويوهمون انفسهم بتصديقه، إلا أنني أؤمن أن الأغلبية سرعان ما تفيق، لتزيح الغمة والعشاوة التي صنعها حكام مصر على مدار عشرات السنين، ليرون الحق حقا ويثورون ضد الظلم، ولن انسي بائعة الجرجير التي يوما ما رقصت وهللت لحامي الحمي، وما لبث أن تملّك زمام البلد وقد عاث في الأرض فسادا وسفكا للدماء، تلك الليالي التي لا تمر على المصريين إلا وقد دفعوا ثمنها من دمائهم وأرواحهم لن تمر على قاتليهم هباءً، يوما ما سينقلب السحر على الساحر وتُرد إلي الناس مظالمهم بأيديهم لا بيد غيرهم، عساه قريبا بإذن الله.


أسماء الجريدلي